إفتح
  

الأذن الواعية


أوّل الدّين إنبجاس نور والإنبجاس هنا حالة من الوعي، بين باطنية عميقة وسماوية عالية، يكون بعدها ما يكون من معارف ومفاهيم وتفصيلٍ وتبويب فينبني نسقٌ متكامل وإنّنا إذا ضيّعنا الإنبجاس النوراني الأوّل ضيّعنا ما يقيمه ويؤسّسه وإن حفظنا النّسق وردّدناه وأحلنا عليه في كلّ حركة وسكون. الصّمت قد يقرّبنا من النور أمّا الكلام، خصوصًا إذا زاد، فقد يستدرجنا إلى الإطمئنان إلى معرفة هي دئمًا في حاجةٍ إلى إحياءٍ بما تبدع الذّات وتبتكرُ من جديدٍ. لمّا صامت مريمُ عن الكلام كان عيسى عليه السّلام، كلمة الله التي تغني عن كلّ الكلمات أو قل كلمة الله التي تغدو بها كلّ الكلمات حبلى وهي من دونها عقيم.

إنّك إذا نظرت بربيعٍ إلى بستان نضير يملئ جماله الأفق قد ينسيك السّطح المزهر أنّ السرّ في ما ترى من بهيج قطرة ماء صعدت من عمق بئر أو نقلتها غمامة سماء. كذلك فإنّ ما ينتشر من معارف دينية دوّنت خلال قرونٍ طويلة مرتبطٌ بلحظةٍ معجزة تطلب بصدق الإستماع لا ببلاغة الكلام. وقد يكون الخلل أنّنا نتكلّم ونحرص أن نكون نحن من يتكلّم فلا نستمعُ إذا تكلّم غيرنا والنتيجة أنّ المرء هكذا يفشل في الإستماع إلى نفسه التي بين جنبيه ويعطّل حديث الكون أن يصل إليه ويحرم عينه من الآيات المبثوثات التي لا يشاهدها إلا بإلقاء سمع.

إنّ الكلام مضيّقٌ للعين في كثيرٍ من الأحيان وإنّ الصّمت المفكّر والمتأمّل علامة حضورٍ وشهادة. الحديث عن الكلام والصّمت حديثٌ في المنهج وحديثٌ في منهج الدّين تحديدًا الذي يطلب الأذن الواعية والذي ينهى عن حركة زائدة للّسان. ذلك أنّ زلّة اللّسان مقدّمة لزلّة القدم وإذا زلّت القدم كانت السّقطة وفقد التوزان بينما العالم يطلب قدمًا ثابتة بل راسخة وشرط ذلك أذن واعية، أذن هي في النّهاية قابلة الحضور. حضورٌ مركّب: حضورٌ للذّات وخروج بها من الأنساق المتكلّسة والمتوارثة، حضورٌ مقتدر في العالم يحوّل صاحب الأذن إلى صانع مبدع وحضورٌ معجزٌ بين النّاس يحوّلهم منجذبين مُقرّين طوعًا لا كرهًا بالإستثناء. وعندما يكون كلّ هذا الحضور يحضر الله في العالم شهودًا وهذا من معاني الشهادة التي تحوّل الله شهودًا ولا يكون الله كذلك بمجرّد النّطق بالشهادة إذ الشهادة المتحوّلة شهودًا تحتاج رافعة هي الذّات الكاملة التي يفترض أن نبنيهَا بتربية ملائمة ومنهج يجعلنا نصادفها وإن بعد حين.

د.هذيلي المنصر

العودة للصفحة الرئيسية

مواضيع ذات صلة

التعاليق(0)

أترك تعليقك